ديمقراطية بمذاق خاص جدا
كتبهاماجد عبد الحميد ، في 11 أكتوبر 2009 الساعة: 14:20 م
الى حدود القرن التاسع عشر ظلت المقاطعات السويسرية آخر المعاقل التي يتيح فيها السياسيون للمواطنين ممارسة حقهم في المشاركة بادارة الشأن العام عن طريق "الديمقراطية المباشرة"، وهو نمط في الحكم ظل على مدى قرون يستخدم في المدن الاغريقية ولكنه مع مرور الوقت ومع التطور الديموغرافي فقد بات من المستحيل على المجتمعات المعاصرة ان توكل للملايين من المواطنين اتخاذ قرارات في الشأن العام في نفس الوقت وفي مكان واحد وأصبح من الواضح ان مفهوم الديمقراطية قد بات مهدد بالالتفاف عليه من قبل السياسيين في العصر الحديث.
وتفسير الديقراطية اليوم بات متشعبا ومتعدد الأوجه ومفهوم قابل للتكيف مع انماط الحكم في سائر الدول. وبحجة العائق الديموغرافي أصبحت تقنيات الاستفتاء والمجالس النيابية والاقتراع وقادة الرأي هي الأكثر قربا للتعبير الديمقراطي.
ولكن، ولأن الحاجة هي أم الاختراع فإن تلك الحجة القديمة لحكام اليوم يمكن أن تكون مردودة عليهم لأنه بكل بساطة قد بات من الممكن التقاء الملايين، بل المئات من الملايين في مكان وفي زمن واحد وابداء آرائها بشكل مباشر، وان كان كل ذلك في عالم افتراضي. ولكن أي يكن الأمر فالنتيجة واحدة طالما أن الفايس بوك يقطع الطريق على كل الوسائط والتقنيات التي تحول دون ممارسة الأفراد لحقوقهم الديمقراطية.
ويمكن فهم مدى ارتباط الفايس بوك حقيقة بمفهوم الديمقراطية، حتى وان لم يكن هذا الارتباط مبرمجا او مخططا له من قبل من خلال ما حصل مؤخرا. فقد قامت الدنيا ولم تقعد، عندما حاول القائمون على موقع الفيس بوك الشهير للتواصل الاجتماعي قبل عدة أيام أن يقوموا خلسة ً بتغيير الطريقة التي يتعاملون بها مع بيانات المستخدمين الشخصية – حيث كانوا يريدون إخطار مستخدميهم البالغ عددهم 175 مليون شخص بأن أي شيء سوف يقومون بنشره على الشبكة الاجتماعية سوف تتحول لتصبح ملكية خاصة بالفيس بوك إلى الأبد – وهو ما أثار ردود فعل واسعة انحصرت ما بين مشاعر الغضب والضيق بين جموع المستخدمين حول العالم.
وعلى الرغم من ذلك، أصيب مسؤولو الفيس بوك بحالة شديدة من الاندهاش والذهول من خلال الردود التي تلقوها على خلفية هذا الاختلاف، وبدا واضحًا أنهم عملوا دون قصد على صبغ الطريقة التي يديرون من خلالها الموقع بروح الديمقراطية، حيث سمحوا بشكل فاعل للمستخدمين أن يقولوا كلمتهم ويعبروا عن رأيهم في ما يتعلق بطبيعة القرارات الخاصة بالسياسة الإدارية والتشغيلية للموقع.
من جانبه، أكد مارك زوكربيرغ - صاحب ومؤسس موقع فيس بوك – " لقد قمنا بفتح الفيس بوك كي يتمكن المستخدمون من المشاركة المجدية في سياساتنا ومستقبلنا". وقد أتت تلك الخطوة غير المسبوقة بعد أن قام مسؤولو الفيس بوك بتغيير اتفاق ترخيص المستخدم النهائي "EULA " بمنتهى الهدوء، للتأكد من الإبقاء على ملكية بيانات المستخدم إذا أصبح المستخدمون مستخدمين سابقين، ما أثار موجة غضب عارمة حول العالم.
وبحسب ما ذكرته مجموعة من الخبراء، فإن التغييرات المنتظرة سوف تعني أن إنشاء المنتديات العامة الآن لمناقشة التغيرات التي تؤثر في الأعضاء. وإذا تم إدراج أكثر من سبعة آلاف تعليق على تلك المنتديات، فإن التغيرات سيتم وضعها لاحدي عمليات التصويت الخاصة بالعضوية.
ومن خلال عمل حسبة مئوية بسيطة لعدد الأعضاء المنتسبين للفيس بوك بعد الدور الذي لعبته آراؤهم في التصدي لمبادرة مسؤولي الشبكة الخاصة باحتكار خصوصياتهم، يتضح أن الموقع ساهم بصورة غير مباشرة في إظهار نتيجة مهمة للغاية قد تكون قد غابت عن كثيرين، وهي أنه شكل ثالث أكبر كيان ديمقراطي في العالم بعد أن أثبتت الأصوات الديمقراطية وجودها بمنتهي الفاعلية في هذا المعترك الساخن.
ولكن الفايس بوك وكغيره من التقنيات التي تخضع للتصرف البشري لا يمكن أن يكون "ميدنة فاضلة للديمقراطية" فلقد ظهر في الآونة الاخيرة جدل واسع حول قاعات العرض والنقاش و المدونات داخل هذا الموقع. وفي البداية يجب معرفة ماهو التدوين وما هو العمل التدويني وما هو الغرض منه وما هى مبادئه و قواعده التى يجب ان تحترم و يلتزم بها اطراف العملية التدوينية.
ان التدوين هو نوع من كتابة المذكرات سواء كانت شخصية اي عن الشخص نفسه او عامة اي تحتوي على اخبار وقضايا تهم المجتمع او خاصة اي موجهة لفئة معينة من الناس.
و العمل التدويني هو تلك المذكرت الخاصة نفسها اي هو المادة المكتوبة وما تحتويه من اخبار او مادة علمية او حتى ادبية او ما دون ذلك من اراء شخصية ويكون الغرض منها عادة عرض وجهة نظر في قضية معينة او عرض فكرة معارضة في مواجهة الكثير من الافكار في ظل عصر الحرية والسماوات المفتوحة حيث لم تعد الافكار قاصرة على عدد معين من المثقفين والادباء بل صارت ارث جماعيا لأي شخص يود المشاركة فيه ونقده بل والتعقيب عليه اذا اراد.
ومن اهم قواعد التدوين هي التزام بالمبادىء و القواعد العامة و الاعراف المتعارف عليها داخل المجتمع فليس هناك مجال لاي افكار غريبة او شاذة تخرجنا الى منعطف اللاخلاقية.
ثانيا التزام الاحترام والأدب في التعليق فليس هناك مجال للتجريح في احد او نقد احد بما ليس هو فيه.
ثالثا الموضوعية في الكتابة والحوار فلا يجب ان يكون هناك مجال للتعصب الأعمى لأي فكرة او مذهب او حزب فكما قال الامام مالك كل يؤخذ ويرد عليه الا صاحب هذا القبر و اشار الى قبر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
رابعا تحري الدقة فى اختيار المواضيع فليس هناك حاجة لاثارة مواضيع تافهة لا تهم القارىء في شيء او حتى مواضيع خارج النطاق الادبي و الاخلاقي تعصف بالقارىء الى منحدر الانحلال الادبي والخلقي.
خامسا عدم تضمين المدونات اي دعاوى تنظيمية للخروج عن الشرعية و القانون .
سادسا الالتزام الكامل باحترام حرية الاخرين فالغرض الاساسي من التدوين هو اتاحة مساحة من الحرية للشباب لاشاعة وممارسة الديموقراطية فيما بينهم حتى يتمكنوا فيما بعد من ممارستها فعليا في الواقع داخل نطاق الدولة وحسب الاطر الدستورية والقانونية للبلاد.
وبهذا اذا تم الالتزام بهذه القواعد يكون التدوين قد حقق هدفه الا وهو اشاعة جو من الحوار والديموقرطية بين الشباب ولكن تلك الديموقراطية المسؤلة التى تحترم حقوق الاخرين.
ولكن ما يثار حاليا حول ذلك الموقع وما يدور في اروقته هو ناتج من دخول الكثير من الشباب بكل انتمائته و اختلاف ثقافتهم الى ذلك الموقع والتدوين في فيه دون علم بقواعد وادابه فانتشر فيه ما يعرف بفوضى التدوين والتي ادت الى انتشار بعض الأفكار الغريبة والشاذة و التي ادت الى اثارة الجدل حول ذلك الموقع في الآونة الاخيرة. وقد لا يخرج الفايس بوك في النهاية عن كونه سوى جزء من حلقة مفرغة تتعلق أساسا بكيفية ممارسة الديمقراطية المباشرة. فهل نحن على الفايس بوك ديمقراطيون فعلا أم مجرد فوضويين؟
في مطلق الأحوال فإن الفايس بوك قد أتاح عربيا هامشا أوسع الى الشارع العربي ليطرح رؤيته الخاصة للأشياء ويدافع عن قضاياه، سواء كان ذلك بشكل ديمقراطي أم فوضوي، من منظوره الخاص وهو الذي بات مغيبا في سياسات السلطة الحاكمة.
وهذا الموقع لن يكف عن خلق الأحداث، إذ تمكنت مجموعة من العرب تضم 36 ألف عضو من بينهم أمريكيين وغربيين وحتى يهود بإحداث موقع به تحت عنوان: "إسرائيل ليست دولة.. احذفوها من لائحة البلدان على الفايس بوك". وتأكد هذه المجموعة التي تطالب باعتبار إسرائيل "كيانا غاصبا" لا دولة، أنها "غير موجهة ضد أحد"، و"تشجع السلام العادل والشامل في الأراضي الفلسطينية"، محاولة التركيز على توعية القراء من خلال إبراز الحقائق التاريخية لدولة فلسطين، وكذا توضيح الفرق بين "الصهيونية"، و"اليهودية"، و"السامية". إلا أنه وفي مقابل هذه المجموعة ظهرت مجموعة اخرى مناهضة لها تماما، تطالب بإلغاء المجموعة السابقة باعتبارها معادية للسامية، ويبلغ عدد أعضائها قرابة 22 ألف عضو، في حين يناضل أكثر من 49 ألفا بإلغاء مجموعة أخرى بعنوان "إسرائيل دولة إرهابية نكرهها جميعاً"، كما بدأ إسرائيليون آخرون نكاية بالمجموعة الأولى في تأسيس مجموعة بعنوان "فلسطين ليست دولة".
إلا أنه وفي اتجاه آخر، تدار معركة حامية الوطيس، دفاعا عن الإسلام فالعرب والمسلمون يسعون جاهدين إلى كتثيف التسجيل لإلغاء مجموعة غربية تحمل اسم "تبا للإسلام"، وقد وصل عدد المطالبين بإلغائها أكثر من الفا 85 لحد الان.
وتزداد المعارك حدة حين يتعلق الأمر بالقدس المحتلة فالإسرائليون عموما يدعون إلى جعلها عاصمة للكيان الصهيوني بينما العرب يدعون لنصرتها وجعلها العاصمة الأبدية للدولة فلسطين. وتزداد المعارك بين العرب والاسرائليين عبر الفايس بوك لتشمل كل المجالات فهناك مجموعات تدعو للاحتفال بستين عاما على تأسيسها، بينما المجوعات الفلسطينية والعربية تعتبرها ستون عاما على النكبة الفلسطينية.
وهناك مجموعات أجنبية داعمة لإسرائيل كتلك الأميركية التي تتحدث عن عشرة أسباب لدعم إسرائيل، ويبلغ عدد أعضائها أكثر من ثلاثين ألفا، ومن بين هذه الأسباب التي تحددها هذه المجموعة: الديمقراطية الإسرائيل والتي في نظرهم تتفوق عن الديمقراطية الأميركية، ويبدو ان المنتمين لهذه المجموعة يجهلون الكثير عن الكيان الصهيوني وديمقراطيته، فيعتبرونه يساوي بين مواطنيه من جميع الأديان والأعراق، وانه شعب متفوق بذكاءه مما انعكس على التكنولوجيا العسكرية كما انه بلد الفلافل، والشاورما، والخشخاش!.
وتستمر الحرب داخل الفايس بوك.الموقع والموقع المضاد. كل يغرد داخل سربه من اجل نصرة ما يؤمن به ويناضل من اجله. حتى أضحى مرآة عاكسة للواقع السياسي العالمي وما تدور فيه من حروب وتطاحنات. وهو يحضى باهتمام كبير من طرف المخابرات الاسرائلية بينما تبدو الدول العربية غائبة عنه كل الغياب.
وقد نشرت بعض التقارير الصحافية الغربية والاسرائلية خاصة، ان المخابرات الامريكية والاسرائلية تهتم وتراقب كل ما يدور في غرف الدردشة بالفايس بوك، من اجل جمع معلومات كافية، تعتبرها ذات "اهمية قصوى"، تساعدها في التأسيس لملفات عن النفسية العربية والاسلامية الشبابية بالخصوص، لاستغلالها لاغراض تخدم مصالحها وكذا لا ستقطاب شباب العالم الثالث وخصوصا المقيمين داخل مطبخ الشيطان - أو ما يسمى بدول الصراع العربي الإسرائيلي- إضافة إلى أميركا الجنوبية.
نقلا عن العرب أونلاين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























